لن تسرق الآلة عملنا ابدا لكنها تهدد قدرتنا على الإبداع


آراء


واقع الآلة في وقتنا الحاضر

في ظل التطورات التي شهدتها التقنية والإمكانيات الجديدة التي اكتسبتها الآلة خلال العقد الماضي, ارتفعت وتيرة القلق عند الناس خوفًا من أتجاه اصحاب العمل نحو الآلة لتقوم بوظائفهم الحالية بدلا منهم. لا أنكر أن هذا القلق مشروع فنحن نعيش في صخب يومي يمجد ويحتفل بوصول للآلة لآفاق جديدة. على سبيل المثال, في شبكات التواصل الإجتماعي وحتى في الصحف ترى عشرات المقالات والتغطيات الإعلامية وبعض شركات الإستشارات العالمية المرموقة تتكهن بأنواع الوظائف التي لن تكون موجودة مع نهضة الآلة. تقول ماكينزي في تقرير لها “ان نصف الوظائف الموجودة حاليا قابلة للإستبدال بالذكاء الإصطناعي” معظم تلك المواد الإعلامية اتفقت على صياغة العناوين الساخنة والتعميم لجذب عين القارئ والنقر على روابط تلك المقالات. ولكن هل هل الآلة فعلا جاهزة لأخذ هذا الدور؟ في هذه التدوينة سوف احاول الإجابة على ذلك السؤال مع تجنب التكهنات والنظرإلى أثر نهوض قدرة الآلة على المدى القريب والمدى البعيد. تقسيم المسألة بهذا الشكل يساعد على تعيين حدود المساحة التي تتحرك فيها إمكانيات الآلة و يسلط الضوء على ما تستطيع وما لا تستطيع الآلة الوصول إليه.

دور الآلة على المدى القريب

وفقا لدراسة قام بها كل من براينجولفوسل وتوم ميتشيل (أساتذة في دائرة تعلم الآلة بجامعة كارنيجي ميلون) دانيال روك )مرشح دكتوراه وباحث في مبادرة MIT حول الاقتصاد الرقمي( فإن الآلة على المدى القريب لن تستبدل بشكل كامل أي وظيفة إلا القليل جدًا. ذلك يعود بشكل كبير إلى محدودية قدرة الآلة على إتقان جميع ما تتضمنه الوظائف الحالية بسوق العمل من مهام. الوظائف التي يشغرها الإنسان حاليا تحتوي على مزيج من المهام المختلفة منها ما يمكن تلقائيته ومنها ما يمتنع عن ذلك. الدراسة عمدت إلى تصنيف الوظائف الموجودة اليوم حسب قابليتها للإستبدال بالآلة. التصنيف يعتمد بشكل كامل على استبيانات من اصحاب العمل وتقديراتهم لتلقائية كل مهمة. يتصدر هذه القائمة الوظائف البينيه مثل مصممي الكروكي ومنسقي المناسبات والعزاء والسكرتارية. أما الوظائف الأقل عرضة للإستبدال يترأسها الوظائف الميدانية والحرفية المتخصصة مثل علماء الآثار و علماء الحيوان وحتى مدلكي المساج. هذه الدراسة ليست خفية عن الإعلام ولكن الإعلام شاء أن يقرأها بطريقة مضللة. الحقيقة هنا هي أن الآلة لن تستطيع القيام بأي من الوظائف المذكورة بالكامل بل تتفاوت مدى قدرتها على المساهمة في مهام تلك الوظائف. هذه الحقيقة تغير مسار القصة الإعلامية المتداولة وتقلبها رأسًا على عقب. فبدلا للقلق من منافسة الآلة لوظائفنا, ستكون الآلة بجانبنا تساعدنا في بعض المهام وتزيد من إنتاجيتنا. أما سوق العمل فسيقوم بإعادة هندسة الوظائف الحالية المدرجة وصناعة وظائف جدبدة تتكون فقط من المهام التي تستطيع الآلة القيام بها بالكامل. أم المهام المتبقية من نفس عائلة الوظيفة فسيتم ترقيتها وإضافة مهام إدارية جديدة لها تنسجم مع واقع سوق العمل الجديد. إن تم ذلك فأنا لا أرى هذا إلا بشرى لمن يتوق إلى عمل يرتقي به وبوطنه ويحقق فيه ذاته.

دور الآلة على المدى البعيد

على خلاف ما صورته لنا هوليود من سيطرة الآلة على العالم وإبادتها للنسل البشري, الآلية التي تتعلم بها الآلة لازالت محدودة وقدرتها لازالت مقتصرة على مهام دقيقة كالتعرف على الصورة والكلام ومعالجة اللغة الطبيعية. ولعل الصخب الموجود حاليا هو حول تخطي الآلة قدرة الإنسان على أداء تلك المهام. لكن الآلة لازالت عاجزة عن تأدية وظائف شاملة أو ما يسميه علماء البيانات بالذكاء الاصطناعي العام. حتى نتصور أين ستكون الآلة في المستقبل البعيد لابد لنا من النظر إلى كيفية تعلم الآلة في الوقت الحاضر. عندما يُطرح السؤال إلى أي جهة تتكهن بنهوض عصر الآلات وخطورة ذلك على مجتمعاتنا, تأتي الإجابة قصيرة مجردة وعامة. تتضمن الإجابة شيء من “الآلة تقرأ الكثير من البيانات وتحللها وتكشف عن علاقات خفية وتخرج بمخرجات جديدة” أو “الآلة تنظر إلى عدد كبير من العمليات التي قام بها الإنسان في عمله وتتعلمه ثم تبدء بمحاكاة ذلك العمل” تلك الإجابات صحيحة بشكل عام لكنها تخفي أهم العوامل التي تحدد سقف إمكانية الآلة على التعلم. ذلك هو أن الآلة تنظر إلى تاريخنا وليس مستقبلنا. هدف الآلة هو إدراك ما وصل الإنسان إليه الآن من العلوم ووضعها في قوالب رياضية منطقية تكشف عن نمط معين سواء ادركه الإنسان أو لم يدركه.

عندما نقف لوهلة للتفكير بذلك, يتبين لنا أن الآلة أسيرة الماضي. أي ان الآلة لن ينتابها الفضول في ما وراء مدخلاتنا لها. ليس ذلك بحسب, لكن الآلة سوف تجرنا إلى قاع الماضي معها. يحدث ذلك عندما تحاول الآلة مساعدتنا في أختياراتنا اليومية حسب ماضي تصرفاتنا وسلوكياتنا. فإن كنت من القراء الدائمين لهذه المدونة فإن محرك البحث الذي تستخدمه بشكل يومي سيقوم بتعزيز ذلك السلوك وإقتراح مواضيع ذات صلة بالبيانات. الآلة ترفض التغيير في سلوكيتنا مهما كانت. بل أن الآلة تعتبر التغير مخاطرة وسلوك غير حميد. هذا الأمر يبعث على القلق فعلا. إن الإختراعات والإبداعات التي صنعها الإنسان لم تكن ابدا من تحيزه إلى البقاء على وضعه الراهن بل العكس تماما. فضول الآنسان إلى ما وراء ما يعرفه الآن وحب المخاطرة وتحدي القيود امامه هي ما دفعته إلى الإبداع وتحقيق ما كان في وقته مستحيلا. هذا سقف لا أظن أن الآلة سوف تتخطاه ابدًا إن استمرت في جمودها وحبها إلى الماضي.

أهم مصادر الأبداع هو تعرضنا إلى افكار مغايرة عن ما كنا نعرفه. فإن سيطرة الآلة على جميع مداخل العلوم فنحن في خطر. فإن ابعد محرك البحث جميع المعلومات التي لا يوجد بينك وبينها أي تاريخ فسوف يحرمك من التعرض لأفكار تتصادم مع أفكارك. فإن أصر محرك البحث على أنك من الحزب اليساري مثلا و أرسل في طريقك كل ما يشاهده الحزب اليساري من فيديوهات فسوف تكون اكثر تحزبا من ذي قبل وسوف ترفض اي افكار أخرى لا تنسجم مع حزبك. هذا ليس من نسج الخيال بل حدث فعلا

من باب الإنصاف, مجال تعلم الآلة قائم على ركيزة أن “التاريخ يعيد نفسه دائما” فعندما تبدأ الآلة بالتنبؤ بما سوف نشتريه غدا فستفوز الآلة بالرهان. لا شك أن قدرتها على ذلك في المدى القريب شيء مذهل. لكن ما يقلقني أن هناك أجيال قادمة سوف تعتمد على الآلة في ذلك بشكل أكبر وأوسع وسوف تملي عليهم الآلة ما ورّثناها من سلوكيتنا نحن. علينا أن ندرك أن هذه النهضة للآلة مختلفة تمام عن نهضة عصر الكمبيوتر. لم يعد النزال بيننا وبين الآلة على قدرة الحساب بل على تحديد السلوكيات والعادات. فآن استمرت الآلة بالفوز فسوف تجمد عاداتنا وتضعنا في قالب رياضي يملي علينا انماط معينة من سلوكياتنا.


جرب بنفسك

كامل الكود تجده هنا

comments powered by Disqus